أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

24

شرح مقامات الحريري

كمحتطب ليلا أساود هضبة * أتاه بها في ظلمة الليل حاطبه « 1 » وأبين من تفسيره أن حاطب الليل لا يبصر ما يحتطب ، فهو يؤلف بين الحطب الكبير والصغير والقوي والضعيف والجيد والرديء ، فكذلك المكثار يأتي بالضعيف من الكلام والقوي والجيد والرديء ، فشبهه لذلك بالحاطب وأراد ب « جالب رجل وخيل » ما أراد بحاطب الليل ، لأن الراجل ضعيف والفارس قوي ، والمكثار : الكثير الكلام ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من كثر كلامه كثر سقطه ، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ، ومن كثرت ذنوبه ، كانت النار أولى به ، ألا ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت » « 2 » . أقيل : أقيم ورفع . عثار : انكباب وسقوط وإقامة العاثر أن ترفعه من سقطته ومنه الإقالة في البيع ونحوه . * * * فلمّا لم يسعف بالإقالة ، ولا أعفى من المقالة لبّيت دعوته تلبية المطيع ، وبذلت في مطاوعته جهد المستطيع وأنشأت - على ما أعانيه من قريحة جامدة ، وفطنة خامدة ورويّة ناضبة وهموم ناصبة - خمسين مقامة تحتوي على جدّ القول وهزله ورقيق اللفظ وجزله وغرر البيان ودرره وملح الأدب ونوادره ، إلى ما وشّحتها به من الآيات ومحاسن الكنايات ورصّعته فيها من الأمثال العربية ، واللطائف الأدبية والأحاجي النّحوية والفتاوى اللغوية والرسائل المبتكرة والخطب المحبرة والمواعظ المبكية والأضاحيك الملهية مما أمليت جميعه على لسان أبي زيد السروجيّ ، وأسندت روايته إلى الحارث بن همام البصريّ . والاسعاف المصدر ، وساعفته مساعفة : قضيت إرادته ولا أعفى من المقالة ، أي لم يعفني من كلامه وإلحاحه ، وأعفيت : الرجل وعافيته : أزلت عنه ما يشق عليه وأصله الترك ، ومنه إعفاء اللحية ، وهو أن يتركها على حالها ، ومنه : عفا اللّه عنك لبيت : أجبت وقلت : لبيك . أنشأت : ابتدأت وأخذت أفعل ، أعانيه : أعالجه وأصلها من العناء وهو التعب قريحة : ذهن وأصلها ماء البئر النابع عند حفرها ، ومنه القرحة للجراحة ، لأن أصلها مادة وشبه الذهن بذلك لما يتولد عنه من المعاني فطنة : ذكاء والفطن : الذكيّ خامدة ساكنة وخمدت النار : سكن لهبها روية تدبر وروّأت الأمر تدبرت كيف تصنعه .

--> ( 1 ) البيت في ديوان الفرزدق ص 51 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 23 ، ومسلم في الإيمان حديث 75 ، 77 ، والترمذي في البر باب 43 ، وابن ماجة في الأدب باب 34 ، والفتن باب 12 ، والدارمي في الأطعمة باب 11 ، وأحمد في المسند 5 / 24 ، 412 .